n2.jpeg
previous arrow
next arrow
Shadow

يمكن أن تستهدف أمراض المناعة الذاتية أي جزء تقريباً من جسم الإنسان. وتُصنف هذه الحالات طبياً بناءً على النطاق الجغرافي للإصابة إلى فئتين رئيستين:

  • أمراض مناعية ذاتية جهازية (Systemic): وفيها تنتشر المستضدات الذاتية (Autoantigens) في خلايا وأنسجة مختلفة بجميع أنحاء الجسم، مما يؤدي إلى تلف مجموعة متنوعة من الأعضاء والأجهزة في آن واحد (مثل التهاب المفاصل الروماتويدي).

  • أمراض مناعية ذاتية نوعية العضو (Organ-specific): وفيها يوجه الجهاز المناعي هجومه نحو أهداف ومستضدات محددة داخل عضو واحد فقط (مثل الغدة الدرقية في مرض جريفز).

وتشير الدراسات الإكلينيكية إلى إمكانية الكشف عن وجود هذه التفاعلات المناعية الذاتية وتحديد أشكالها معملياً من خلال فحص فئات مختلفة من الأجسام المضادة في مصل الدم وسوائل الجسم الأخرى، وهو العلم الذي يُعرف بـ علم الأمصال (Serology). كما يُلاحظ سريرياً أن إصابة الشخص بمرض مناعي ذاتي واحد ترفع من احتمالية قابليته للإصابة بأمراض مناعية ذاتية أخرى نتيجة لإنتاج أجسام مضادة ذاتية (Autoantibodies) تهاجم مستضدات ذاتية مقابلة في أعضاء متعددة.

وفيما يلي استعراض تفصيلي لأبرز مناطق الجسم الشائعة التأثر بهذه الاضطرابات والمستضدات المرتبطة بها:

1. المعدة (Stomach)

  • الأجسام المضادة المرتبطة: الأجسام المضادة للخلايا الجدارية (Anti-Parietal Cell Antibodies - APCA).

  • التأثير المرضي: تتسبب هذه الأجسام المضادة في تثبيط نشاط إنزيم -ATPase داخل الخلايا الجدارية للمعدة المسؤول عن إفراز مادة حيوية يحتاجها الجسم لامتصاص فيتامين B12.

  • السمات السريرية: يؤدي هذا الخلل إلى الإصابة بـ التهاب المعدة المناعي الذاتي (Autoimmune Gastritis - AIG)، وهو مرض أكثر شيوعاً لدى النساء وغالباً ما يتطور دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة مما يجعله قليل التشخيص. ويرتبط هذا الالتهاب غالباً بنقص الحديد المزمن، كما تزداد معدلات الإصابة به لدى مرضى الغدة الدرقية المناعية والسكري من النوع الأول.

2. الغدة الدرقية (Thyroid)

  • الأجسام المضادة المرتبطة: مضادات إنزيم بيروكسيداز الغدة الدرقية (Anti-Thyroid Peroxidase - Anti-TPO).

  • التأثير المرضي: يُعد إنزيم TPO ركيزة أساسية لتصنيع هرمونات الغدة الدرقية المسؤولة عن تنظيم التمثيل الغذائي، والنمو، وتطور الدماغ. وتوجد هذه المضادات لدى 90% إلى 95% من المصابين بـ أمراض الغدة الدرقية المناعية الذاتية (AITD)، والتي تصيب قرابة 2% إلى 5% من السكان، وتشمل شكلين رئيسيين:

    • التهاب الغدة الدرقية هاشيموتو (Hashimoto’s Thyroiditis): يمثل السبب الأبرز لقصور الغدة الدرقية في الدول المتقدمة، حيث تهاجم الأجسام المضادة أنسجة الغدة مما يثبط إنتاجها للهرمونات، وقد ينتهي الأمر بتضخمها موضعياً.

    • مرض جريفز (Graves’ Disease): تهاجم الأجسام المضادة في هذه الحالة مستقبلات هرمون TSH، مما يحفز الغدة بشكل مفرط ويؤدي إلى فرط إفراز هرموناتها وزيادة نشاط العمليات الحيوية في الجسم.

3. الدماغ والجهاز العصبي المركزي (Brain)

  • الأجسام المضادة المرتبطة: أجسام مضادة تفاعلية مع الدماغ، ومن أبرزها مستضدات سينابسِن (Synapsin).

  • التأثير المرضي والسريري: يحمل حوالي 2% إلى 3% من عامة السكان أجساماً مضادة قادرة على اختراق الحاجز الدموي الدماغي وتدمير الأنسجة العصبية، مما ينتج عنه عدة اضطرابات أبرزها:

    • التصلب المتعدد (Multiple Sclerosis - MS): مرض مزمن يستهدف الغشاء الواقي للأعصاب (الميالين) في الدماغ والحبل الشوكي، مما يعيق نقل الإشارات العصبية ويؤدي لإعاقات جسدية وإدراكية شديدة.

    • التهاب الأوعية الدموية الدماغية (Vasculitis): التهاب مناعي يصيب جدران الأوعية الدموية المغذية للدماغ دون سبب معروف، وفي الحالات الحرجة قد يتسبب في حدوث تمدد للأوعية الدموية (Aneurysms) أو نزيف دماغي (Hemorrhage).

4. الغدد الكظرية (Adrenals)

  • الأجسام المضادة المرتبطة: مستضدات إنزيم 21-هيدروكسيلاز (21-Hydroxylase).

  • التأثير المرضي: يهاجم الجهاز المناعي إنزيم 21-hydroxylase الحيوي لتصنيع الهرمونات في قشرة الغدة الكظرية (الموجودة أعلى الكلى)، مما يتسبب في قصور الغدة الكظرية الأولي، والمعروف بـ مرض أديسون المناعي الذاتي (Autoimmune Addison’s Disease).

  • السمات السريرية: يؤدي تدمير القشرة الكظرية إلى نقص حاد في هرمونين رئيسيين:

    • الكورتيزول (Cortizol): المسؤول عن استجابة الجسم للإجهاد، تنظيم ضغط الدم، وميتابوليزم الكربوهيدرات والبروتينات والدهون.

    • الألدوستيرون (Aldosterone): المنظم الأساسي لإعادة امتصاص الصوديوم والسوائل وضبط حجم الدم. وينتج عن هذا النقص أعراض سريرية تشمل انخفاض السكر والصوديوم، هبوط ضغط الدم، تشنجات عضلية، وفرط تصبغ الجلد.

5. الأمعاء والقولون (Gut)

  • الأجسام المضادة المرتبطة: مستضدات بروتين التروبوميوسين (Tropomyosin).

  • التأثير المرضي والسريري: يتجلى التأثير المناعي في الأمعاء عبر التهاب القولون التقرحي (Ulcerative Colitis - UC)، وهو أحد الأشكال المزمنة لأمراض الأمعاء الالتهابية التي تصيب الغشاء المخاطي المبطن للقولون. ولا يعود هذا المرض لميكروب مباشر، بل ينشأ نتيجة تضافر عوامل وراثية وبيئية تحفز استجابة مناعية غير طبيعية وتوجيه الأجسام المضادة ضد بروتين التروبوميوسين، ومكونات الغذاء، والبكتيريا الطبيعية النافعة في القولون، مما يسبب قرحاً وإسهالاً مزمناً.

6. المفاصل (Joints)

  • الأجسام المضادة المرتبطة: عامل الروماتويد (Rheumatoid Factor - RF)، والأجسام المضادة للببتيدات السيترولينية الحلقية (Anti-Cyclic Citrullinated Peptide Antibodies - ACPA).

  • التأثير المرضي والسريري: يظهر هذا التأثير في التهاب المفاصل الروماتويدي (Rheumatoid Arthritis - RA)، وهو مرض جهازي يصيب بين 0.5% إلى 1% من سكان العالم، ويستهدف بالدرجة الأولى المفاصل الزلالية (خاصة في اليدين، القدمين، والركبتين)، مسبباً الألم، التورم، التيبس الصباحي، وتآكل الغضاريف والعظام، كما قد يمتد تأثيره جهازيّاً ليشمل الكلى، الرئتين، القلب، والأوعية الدموية. ويُصنف المرضى سريرياً إلى فئتين:

    • إيجابيو الأمصال (Seropositive): وتشكل النسبة الأكبر (60% إلى 80%)، حيث تظهر الأجسام المضادة (RF أو ACPA) بوضوح في تحاليل الدم وتكون مسؤولة عن تحفيز المسارات الالتهابية.

    • سلببو الأمصال (Seronegative): تغيب الأجسام المضادة عن تحاليل الدم لديهم، ويتم الاعتماد في تشخيصهم بشكل كامل على الأعراض السريرية الظاهرة وفحوصات الأشعة.