بيد أن أحدث الأدلة العلمية تشير إلى أبعاد أكثر خطورة؛ إذ لا يقتصر تأثير الفيروس على إحداث تعديل طفيف في المنظومة الدفاعية، بل يمتد إلى إعادة ضبطها بالكامل عائداً بها إلى وضعها الافتراضي الأول، وهو ما يُعرف بيولوجياً بمحو الذاكرة المناعية.
تفشي وباء ساموا 2019: المؤشرات السريرية الأولى
في الخامس عشر من نوفمبر لعام 2019، أعلنت السلطات الصحية في جمهورية ساموا حالة الطوارئ القصوى إثر تفشي وبائي حاد. وقد رُصدت الحالة الدليلة (Index Case) قبل ثلاثة أشهر من الإعلان، لِمسافر يحمل الأعراض الإكلينيكية النمطية للمرض (الطفح الجلدي البقعي المرتفع) قادماً من نيوزيلندا، والتي كانت تعاني آنذاك من تفشٍّ وبائي موازٍ.
أدى التراخي في تطبيق بروتوكولات العزل الصحي واستمرار المؤسسات التعليمية في العمل إلى تسارع معدل انتشار العدوى بشكل أسّي؛ حيث بلغت الحالات المسجلة 5,667 إصابة مؤكدة، ما يمثل 8% من الفئة العمرية دون سن الخامسة عشرة، وصاحب ذلك تسجيل 81 حالة وفاة. استلزم هذا التدهور الوبائي فرض حظر تجوال شامل، وتعليق علامات تحذيرية حمراء على المنازل لتحديد الفئات غير المحصنة، وتدشين حملة وطنية للتطعيم الإلزامي قادها الفرق الطبية حتى رُفعت حالة الطوارئ في ديسمبر. ومع ذلك، فإن التبعات المناعية الأكثر تعقيداً بدأت في الظهور لدى المصابين بعد مرحلة التعافي الإكلينيكي.
ظاهرة فقدان الذاكرة المناعي (Immune Amnesia)
رغم التصنيف التاريخي للحصبة كفيروس تنفسي قديم يعود تاريخ انتقاله من الماشية إلى البشر إلى قرابة 2500 عام، إلا أن التوصيف العلمي لظاهرة "فقدان الذاكرة المناعي" لم يتحقق بدقة إلا في عام 2012.
تتلخص هذه الآلية المرضية في فقدان الجهاز المناعي المفاجئ والشامل للقدرة على التعرف على مسببات الأمراض (Pathogens) التي اكتسب حصانة ضدها مسبقاً، سواء عبر التعرض الطبيعي أو اللقاحات؛ ويشمل ذلك الفيروسات المسببة لنزلات البرد والإنفلونزا، والأنماط البكتيرية المختلفة. وعقب تماثل المريض للشفاء من الحصبة، يدخل الجسم في مرحلة إعادة التعرف التكيفي على الميكروبات من نقطة الصفر.
وفي هذا السياق، يوضح منصور هايريفار، أستاذ علم المناعة في الجامعة الغربية بكندا، الأثر البيولوجي للعدوى قائلاً: "يؤدي فيروس الحصبة وظيفياً إلى إعادة ضبط (Reset) الجهاز المناعي إلى حالته البدائية الأولى، ليعود الجسم إلى وضع يشابه انعدام التعرض لأي مستضدات ميكروبية في الماضي".
الآلية الخلوية لاستهداف الخلايا اللمفاوية
لاحظ المتخصصون في علم الأوبئة لعقود ارتفاع معدلات الوفيات الطولية نتيحة أمراض أخرى بين الأطفال الذين تعافوا من الحصبة مقارنة بأقرانهم؛ إذ تشير البيانات الإحصائية إلى أن اللقاح المضاد للحصبة يخفض نسب الوفيات العامة بمعدلات تتراوح بين 30% و86%. لم تتضح الآلية الإمراضية وراء هذه الملاحظة حتى عام 2002، حينما حدد فريق بحثي ياباني خصائص ارتباط الفيروس بالخلايا المضيفة:
إن المستقبل الخلوي (Cellular Receptor) الذي يستهدفه فيروس الحصبة للنفاذ إلى الجسم لا يقع في الخلايا الظهارية للجهاز التنفسي كما هو متوقع، بل يقع مباشرة على الأسطح الخلوية لمنظومة المناعة ذاتها.
وفي عام 2013، أجرى باحثون دراسة طولية استهدفت طائفة بروتستانتية أرثوذكسية في هولندا رافضة للتطعيمات أثناء تفشٍّ محلي للمرض، واستُخدمت تقنية تتبع الفيروس عبر بروتينات فلورية مضيئة. أظهرت النتائج المخبرية أن الفيروس يهاجم الأنسجة اللمفاوية بشكل ممنهج (بما في ذلك العقد الليمفاوية، الطحال، والغدة الزعترية)، مستهدفاً بشكل محدد خلايا الذاكرة التائية (Memory T-cells)، وهي الخلايا المسؤولة عن حفظ الشفرات المناعية لمسببات الأمراض السابقة لضمان الاستجابة السريعة عند التعرض المتكرر.
المفارقة البيولوجية لعدوى الحصبة
تفرض عدوى الحصبة معضلة بيولوجية مزدوجة تحاكي تأثيراً متناقضاً؛ حيث يحفز الفيروس استجابة مناعية حادة وفي الوقت ذاته يتسبب في تثبيط مناعي واسع النطاق.
يقوم الفيروس بمحو السجل الاستجابي للخلايا اللمفاوية السابقة، مستثنياً من هذا التدمير المستضدات الخاصة به؛ إذ تؤدي العدوى إلى توليد استجابة مناعية خلوية وخِلطية قوية تمنح المتعافي مناعة دائمة مدى الحياة ضد الحصبة حصراً.
وتفسر الأبحاث هذه المفارقة بقدرة الفيروس على اختراق خلايا الذاكرة. وعند رصد المنظومة المناعية لوجود الفيروس، يتم تحفيز إنتاج خلايا مناعية متخصصة لمكافحة الحصبة، وتشرع هذه الخلايا المستحدثة في تدمير خلايا الذاكرة القديمة المصابة بالفيروس كإجراء دفاعي. ونتيجة لهذه الاستجابة الخلوية العنيفة، يتم استبدال المخزون المتنوع لخلايا الذاكرة بخلايا أحادية التخصص لا تملك القدرة على التعرف إلا على فيروس الحصبة، مما يترك العضوية في حالة عجز بنيوي تام أمام مواجهة أي تهديدات ميكروبية أخرى.


